في كل أزمة أمر بها أحب أن أكرر قراءة سورتي الضحى والشرح في صلواتي، أن استحضر معانيهما على مدار يومي، سورتان خفيفتان قصيرتان، لا تفشلان أبدًا في تثبيتي عندما يخوناني جلدي وقوتي، أردد "إن مع العسر يسرا" و "ما ودعك ربك وما قلى"، والتمسُ فيهما كل مرةٍ تثبيتًا جديدًا.
نزلت هاتين السورتين بعد فترةٍ انقطع فيها الوحي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، في مرحلة من عمر الدعوة كان فيها نبينا ينتظر الوحي ويتوق إليه لحظة بلحظة، يجد فيه أنسًا وسلوى يُعينانه على مكابدة ما يلقاه من قومه، ومددًا يعينه على إبلاغ رسالته، أخذتُ أتخيل شعوره -صلى الله عليه وسلم- عندما غاب عنه الوحي، كيف فقد ما كان يرتكزُ ويتعكّز عليه، كيف كان شعوره عندما غابَ عنه مدد اليقين..
هذا الشعور الذي خالجَ حبيبنا -صلى الله عليه وسلم-، لابد وأن راود كل إنسانٍ فينا ولو مرة في حياته، صحيحٌ أنه صلى الله عليه وسلم كان إيمانه أرسخَ من أن يهتزّ لمُصابٍ كهذا، لكنه مع ذلك خاف ووَجِل، لأنه في النهاية بشرٌ مثلنا، يحتاج للتثبيت واليقين في كل ساعة.
انقطاع الوحي أقرب ما يكون لحالةٍ نعرفها جيدًا واختبرناها كثيرًا في حياتنا، إنه يشبه تلك اللحظة التي تغيبُ فيها عنا الحِكمة والأسباب وراء أقدار الله، وحاشاه سبحانه أن يوقع علينا قدرًا عبثًا أو اعتباطًا، لكننا تحت وطأة الألم نُهلِك أنفسنا في تطلبِ حكمةٍ غائبة، ونظن أننا لو فهمناها، لو كُشفت لنا، فسنكون قد مَلَكنا زِمام الأمور، وننسى أنه سبحانه قد تعبّدنا بغياب الحكمة تمامًا كما تعبّدنا بالقدر خيره وشره، نعم، نحن ندرك يقينًا أن أقداره سبحانه مآلها خير وكلها لسبب، إلا أن لبّ الابتلاء قد يكون في اختفاء الحكمة أحيانا، وصبرنا على غيابها يحتاج منا صبرًا يفوق الصبر على المُصَاب بحد ذاته.
في كل مرةٍ يُعييني فيها طلب حكمةٍ عجِزَ عنها عقلي وغابت عن بصيرتي، أتذكر قصة الخضر الرجل الصالح الذي أُوتي علمًا فاق علم النبي موسى عليه السلام، وقوله له: (إنك لن تستطيع مَعِي صبرا، وكيف تصبر على مالم تُحِط به خبرا). أهدأ قليلا وأرأف بنفسي، فحتى الأنبياء المُصطَفون تراودهم أسئلة المآلات والأسباب، وقد يُقلقهم غيابها وتتعب أنفُسهم في طلبها.
بتغييب الحكمة عن إدراكنا، يريدنا سبحانه ألا نتعلّق بالأسباب الأرضية، يريدنا ألا نتعلّق بالأمان الواهي الذي نصل إليه بإعمال المنطق البشري، بل يسوقنا سوقًا لنتعلق به وحده، بعيدًا عن كل شيء، وهو المُتعالي عن كل هذا: عن أسباب الأرض وقوانينها.
إنه بإخفائه للحكمة، يربيك بأنه هو وحده من يملك الصورة الكاملة لأقدارك، ومادامت بيده سبحانه -وهو الحكيم الخبير- ما يعنيك أيها العبد الفقير أن تدركها أو تجهلها؟